محمد جمال الدين القاسمي
296
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وابتغاء رزق طيب ، فهي هجرة إلى اللّه ورسوله . وإن أدركه الموت في طريقه فأجره واقع على اللّه . ووقع في كلام الزمخشريّ على الآية السابقة هذا الدعاء . وهو : اللهم ! إن كنت تعلم أن هجرتي إليك لم تكن إلا للفرار بديني ، فاجعلها سببا في خاتمة الخير ، ودرك المرجوّ من فضلك ، والمبتغى من رحمتك ، وصل جواري لك بعكوفي عند بيتك ، بجوارك في دار كرامتك ، يا واسع المغفرة . وكلامه ، رحمة اللّه ، بناه على أنه يستحب للإنسان أن يدعو اللّه بصالح عمله . وقد ذكر البخاريّ « 1 » ومسلم حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار وانسد عليهم بصخرة . وصوبهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقد دعا كل واحد منهم بصالح عمله . وانفرجت عنهم الصخرة . وقد اقتضت الآية لزوم الهجرة ولو ببذل مال كالحج . وفيما سبق من حديث
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : البيوع ، 98 - باب إذا اشترى شيئا لغيره بغير إذنه فرضي ، حديث 1111 . وأخرجه مسلم في : الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ، حديث 100 . وهذا نصه من البخاريّ : عن ابن عمر رضي اللّه عنهما ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر . فدخلوا في غار في جبل . فانحطت عليهم صخرة . قال فقال بعضهم لبعض : ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه . فقال أحدهم : اللهم ! إني كان لي أبوان شيخان كبيران . فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب . فأجيء بالحلاب فآتي به أبويّ فيشربان . ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي . فاحتبست ليلة فجئت فإذا هما نائمان . قال فكرهت أن أوقظهما . والصبية يتضاغون عند رجلي . فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر . اللهم ! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء . قال ففرج عنهم . وقال الآخر : اللهم ! إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي . كأشد ما يحب الرجل النساء . فقالت : لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار . فسعيت فيها حتى جمعتها . فلما قعدت بين رجليها قالت : اتق الله ولا تفضّ الخاتم إلا بحقه . فقمت وتركتها . فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة . قال ففرج عنهم الثلثين . وقال الآخر : اللهم ! إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة . فأعطيته . فأبى ذاك أن يأخذ . فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها . ثم جاء فقال : يا عبد الله ! أعطني حقي . فقلت : انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك . فقال : أتستهزئ بي ؟ قال فقلت : ما أستهزئ بك . ولكنها لك . اللهم ! إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا . فكشف عنهم .